تاليف الدكتور سلمان رشيد سلمان
الناشر مركز دراسات الخليج - دبي
مقدمة الكتاب
من هنا كانت البداية، من القراءة كانت الرسالة، ومن هنا جاءت الآية الكريمة لتأمر الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) بالقراءة. من هنا أهمية الكلمة منذ فجر الإنسانية، فقد كانت الكلمة التي تنطقها شفاه الإنسان منذ فجر التاريخ أداته للاتصال، وجاءت الكتابة لتنقل الإنسان من مرحلة تاريخية إلى أخرى وتترافق مع استقرار الإنسان في أراضى استغلها للزراعة، ولم يكن بإمكان إنسان ما بين النهرين من أن يقوم بأول ثورة زراعية عرفتها الإنسانية لولا المعرفة والتي اكتسبها من دراسة النجوم وموعد هطول الأمطار ونوع الأرض الأكثر خصوبة وأي المزروعات التي كان بإمكانه أن يزرعها، وفائدة هذه المزروعات له، وكيف شق الترع لإيصال الماء إلى الأراضي، ودجن بعض الحيوانات، وأي من هذه الحيوانات كانت ذات فائدة له.
تعلم أن يستخدم الخيول لتنقلاته، والحمير والثيران لجر أحماله وحرث أرضه، ولنفكر مع هذا الإنسان كيف استخدم الحجر أولا ثم المعادن أخيرا لصنع معدات تساعده على حراثة الأرض، وخزن المياه والغذاء، وصنع معدات توفر له السكن الآمن والسلاح الذي يدافع فيه عن نفسه.
الأرض كانت بداية أنشاء المدن، والكلمة واللغة كانتا أساس الاتصال الإنساني والمعرفي، أساس القوانين والدول والإمبراطوريات، فقد كانت مسلة حمورابي أول قانون آنساني مكتوب، واستخدمت المعرفة لإقامة معجزات إنسانية كالأهرامات وجنائن بابل وآثار حضارات بائدة في بلاد فارس واليونان وروما والهند والصين وأمريكا اللاتينية، ترى كيف استطاع الإنسان القديم على ارض مصر من أن يجسد فكرة الخلود في استخدام علم الكيمياء لحفظ أجسام الفراعنة لآلاف السنين؟
بدأت مأساة الإنسان حينا واجهته الندرة، هنا فكر في قتل أخيه لكي يحصل على الغذاء، وتحولت فكرة الحرب والغزو والصراع إلى أساس معرفي لقبائل وأقوام من اجل الهيمنة والسيطرة، وتحولت الحرب من أداة استخدمها الإنسان للحصول على غذائه إلى وسيلة لتراكم الثروة لدى الأقوى وانتزاعها من الأضعف، فنشأت العبودية واستغلال الإنسان الأقوى لأخيه الأضعف. كانت الدوافع الاقتصادية أولا هي المحرك الرئيسي لنهوض الدول والحضارات ولم يكن بإمكان الدول والحضارات أن تستمر دون الهيمنة على الفضاء الاقتصادي الأقرب جغرافيا ومن هنا شاهدنا الحضارات القديمة تأخذ أبعادها اثر التمدد الجغرافي، حضارات المرحلة الزراعية تنشا الجيوش وتديمها كأداة للحصول على السيطرة والثروة، وتطور قدراتها الاقتصادية والمعرفية من اجل إبقاء السيادة. هنا كان من الطبيعي أن تقوم الحروب بين هذه الحضارات في محاولة لتوسيع مجالها الحيوي، فقامت الحروب بين البابليين والآشوريين وبين الفرس والرومان، وما بين الإغريق والفرس.
العصر الزراعي خلق القيم والثقافة الخاصة به، وجاءت الثورة الصناعية لتحدث انقلابا كبيرا حيث لم تعد القوة تعتمد على عنصر الثروة والقوة العسكرية الكلاسيكية ممثلة بعدد القوات المتقاتلة. لقد أحدثت الثورة الصناعية تغيرات كبيرة، فعلى صعيد الثروة أمكن إنشاء الصناعات التي بدأت بالإنتاج الضخم الذي لا يعتمد على الجهد العضلي الإنساني فحسب بل على أنواع مختلفة من التكنولوجيات التي طورها الإنسان لخدمته، وعلى الصعيد العسكري فأنها أنتجت أسلحة ذات قدرات تدميرية هائلة وتضاعف ما يسمى بمعامل القوة حيث أن أسلحة العصر الزراعي كانت تقضي وجود الجنود والقيادات في مكان محدود وكان المتقاتلون يتواجهون وجها لوجه.
العصر الصناعي جاء ليمكن الإنسان من الانتقال من مكان إلى آخر بزمن متسارع، وشهدنا نموا المعرفة عن طريق الكتاب ثم التلفاز وأخيرا الكومبيوتر، وفي هذا العصر شهدنا نموا للقدرات الاقتصادية والاتصالية والمعرفية والعسكرية للدول الأوربية، مكنها من أن تخوض صراعا فيما بينها، وما بينها وبين الدول النامية، وخرجت بريطانيا من هذا الصراع لتكون إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس. الحرب العالمية الأولى والثانية دفعت الدول الأوربية للدخول في سباق علمي وتكنولوجي لتحقيق الغلبة، وجاءت الحرب العالمية الثانية لتعطي سلاح الطيران الدور المتزايد الأهمية وأطلقت ألمانيا أول الصواريخ التي حققت دمارا كبيرا للندن وضواحيها، في هذه الحرب لم يكن الطيار يرى عدوه ولا أن يقابله وهكذا انتفى الدافع الإنساني في الحرب وتحولت اكثر واكثر إلى لعبة إلكترونية، في هذه الحرب حققت الاتصالات والاستخبارات والمعلومات طفرات وإنجازات هائلة.
في خضم هذه الأحداث كانت أمة في طور الصعود وتحقيق السيادة على المسرح العالمي، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تشهد بداية الثورة المعرفية، خرجت أمريكا رابحا وحيدا بعد الحرب العالمية الثانية، إذ أن بريطانيا وفرنسا خرجتا رابحتين عسكريا إلا انهما أنهكتا اقتصاديا. وكانت نتيجة الحرب أن تحرك العديد من دول العالم الثالث مطالبا بالاستقلال والانفكاك عن الهيمنة البريطانية والفرنسية، واحتاجت الدول الأوربية إلى مساعدة أمريكا من خلال مشروع مارشال لبناء اقتصادها وبنيتها التحتية التي مزقتها الحرب. قادت أمريكا المعسكر الغربي في صراع مرير ضد الاتحاد السوفيتي وأنفقت بشكل كبير على التكنولوجيا والعلوم وأدركت أهمية تحقيق طفرة وثورة في الاتصالات والتكنولوجيا الإلكترونية، فحققت شركاتها العابرة للقوميات طفرات هائلة في تصنيع الكومبيوترات وفي استخدام التقدم في الاتصالات لتحقيق عولمة الإنتاج وقيام التجارة الإلكترونية، كما عملت الولايات المتحدة وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي لاستغلال قدراتها المعرفية والاقتصادية والعسكرية لإعادة تشكيل العالم بشكل يخدم عولمة أمريكية تلبي أهدافها الاستراتيجية في الهيمنة على العالم وهذا ما يناقش الآن من قبل العديد من الاكاديميين داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد بينت أحداث 11 سبتمبر العديد من القضايا التي ستميز المرحلة والمستقبل القادم حيث تابع العالم باجمعة، وفي نفس اللحظة، اصطدام طائرتين في مبنى التجارة العالمي وشاهد انهيار اكبر مبنيين في أمريكا وكذلك الحريق الذي أصاب البنتاغون، لقد اصبح كل ذلك كان ممكنا باستخدام تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، وقامت الولايات المتحدة ومعها بريطانيا بشن حرب معلوماتية ومعرفية هي الثانية في التاريخ الحديث.
لقد بينت هذه الحرب بان الأعلام سلاح من أسلحة الحرب الحديثة ودللت الأحداث بان الولايات المتحدة تهيمن وتحتكر الأعلام والمعلومة ولا ترغب أن تحقق آية جهة إعلامية سبقا إعلاميا أو كسرا لهذه الهيمنة والاحتكار ولنا من الحملة القاسية والمنظمة والتي شنتها بعض القيادات الأمريكية على قناة الجزيرة افضل دليل.
ما هو شكل المستقبل؟ وما هي التغيرات التي ستحدثها الثورة المعرفية في العالم؟ لعل هذا الكتاب محاولة أولية ومتواضعة لوضع صورة استشرافية لمستقبل العالم.
نحن نعيش الآن في عالم تتسارع خطاه وتتلاطم أمواجه، في حركة ظاهرها تصارعا للاضداد، وباطنها نخب عولمية اهدافها واحدة سواء مثلت هذه النخب الشركات متعدية القوميات، خاصة شركات السلاح والبترول والمال، او قيادات الدول المتقدمة التي تمثل هيمنة المركز.
نرى عبر الفضائيات احداثا متناقضة ففي نفس الوقت الذي نرى فيه احتفالا بزواج احد المترفين والذي يكلف ملايين الدولارات، نرى كتل بشرية في افريقيا واسيا تموت جوعا، هذه الانسانية تختلف اولياتها واهتمام افرادها، ففي الوقت الذي نرى اخوة لنا في الانسانية يهاجمون شركات الادوية التي تقوم بتجارب على الحيوانات، فاننا نشهد صمتا كصمت القبور امام المذابح التي تقوم بها قوات الاحتلال الاسرائيلي تجاه الشعب الفلسطيني الاعزل.
نحن نعيش بداية عصر جديد هو عصر المعرفة، والذي اصبحت فيه المعرفة ،ممثلة بالعلم والتكنولوجيا، بمنجزاتهما الكبرى في مجالات عدة كالاتصالات والمواصلات والعلوم البيولوجية والطبية، اداة التقدم والقوة في المجتمعات الحديثة. لقد اصبح الاتصال يجري في الزمن الحقيقي او اللحظي، واصبحنا نرى الاحداث التي تقع بعيدا عنا بالاف الاميال في نفس الوقت الذي تجري فيه، اصبح بامكان الانسان ان يتخطى الحدود والمسافات الطويلة ضمن الزمن اللحظي، كما امكن باستخدام الادوات المعرفية مثل الانترنت والتلفون المحمول ان نتناقش وان نتكلم لغة واحدة مع افراد يختلفون عنا في الثقافة واللون والدين.
الثورة المعرفية مكنت الشركات متعدية القوميات والدول الكبرى من عولمة الانتاج وعولة الاقتصاد، وجعلت من العالم قرية كونية لها بحيث اصبح بالامكان لهذة القوى العولمية نقل الاموال الافتراضية، وبمليارات الدولارات، من مكان الى آخر وبالزمن اللحظي. الكلام عن القرية الكونية بشكل مطلق غير صحيح، انها قرية كونية بالنسبة للدول الكبرى وللشركات متعدية القوميات حيث ان بامكان هذه الشركات والدول ان تنقل الاموال والمعلومات والافراد عبر العالم بمنتهى الحرية، غير ان الامر لا ينطبق على الدول النامية وشعوبها، فهنالك قيودا هائلة ومتزايدة على انتقال وهجرة الافراد، وهنالك قيود بالنسبة لانتقال البضائع من الدول النامية الى اسواق الدول المتقدمة، وهنالك تجسس على افراد وحكومات الدول النامية تقوم بها وكالات متخصصة في الدول المتقدمة، هنالك قيود وضغوط على المعلومات التي تصدر من الادوات الاعلامية والمعلوماتية للدول النامية، ومن هنا فان عولمة الاتصالات والاقتصاد قد خدم بالدرجة الاولى الدول المتقدمة والشركات المتعدية القوميات.
لقد زاد العصر المعرفي من ازمات دول العالم الثالث كما سببت عولمة الانتاج الفقر والمرض والجوع والحروب في الدول النامية، بحيث ان السنوات الماضية، والتي شهدت تقدما هائلا في المجال المعرفي والاتصالات والعولمة، قد شهدت اندلاع حروب اثنية اسفرت في تمزق دول، كما انتجت حروبا صغيرة في كل انحاء العالم، وانشرت الامراض خاصة مرض الايدز في الدول الفقيرة دونما عائق يذكر، اما المجاعات فقد اجتاحت العديد من الدول النامية لتمزق بنيتها الاقتصادية والاجتماعية وكانت النتيجة هجرات هائلة عبر حدودها.
ان انطلاق الدعوات المتفائلة، خاصة من بعض مثقفي العالم الثالث، بان العصر المعرفي والعولمة الاقتصادية ستمكن الدول النامية من تحقيق الرفاهية والتنمية الاقتصادية وستمكن شعوب الدول النامية من نيل حقوقها واقامة الديمقراطية والحفاظ على حقوق الانسان لا تسندها الاحداث والوقائع والاحصائيات، وعلينا نحن شعوب ودول العالم الثالث ان نفهم الثورة المعرفية واتجاهاتها ولمن تخدم لا ان ننبهر بقشورها كما فعلنا من قبل حينما انبهرنا بقيم التحديث الغربية واستوردنا الحداثة لتتحول الى تغريب، ان فهمنا للثورة المعرفية سيمكننا بلا شك من ان نستفيد من هذه الثورة وان نتلافى سلبياتها ولن يحدث هذا دون فهم موضوعي وعلمي لهذه الثورة.
ان هذا الكتاب محاولة اولية لتقديم تعريف جديد للمعرفة ولربط الظواهر المتباعدة ظاهريا، المترابطة واقعيا، وتكوين صورة عن العصر المعرفي خاصة ببعده الاتصالي والمعلوماتي، ودور الدولة التي تقود هذه الموجة، الا وهي الولايات المتحدة الامريكية في فرض نظام الهيمنة الاقتصادية والثقافية على العالم باعتبارها القطب الاوحد الذي له الحق في قيادة العالم، وتبنيها استراتيجية جديدة في الامن القومي يجعل العالم اجمع مجالها الحيوي، وتاثير ذلك على شعوب ودول العالم الثالث. أنه محاولة لربط الصور المتناقضة للخروج بروءية واضحة للدور الاستراتيجي الذي ستلعبه المعرفة في حياتنا كافراد وكامم.
.
من هنا كانت البداية، من القراءة كانت الرسالة، ومن هنا جاءت الآية الكريمة لتأمر الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) بالقراءة. من هنا أهمية الكلمة منذ فجر الإنسانية، فقد كانت الكلمة التي تنطقها شفاه الإنسان منذ فجر التاريخ أداته للاتصال، وجاءت الكتابة لتنقل الإنسان من مرحلة تاريخية إلى أخرى وتترافق مع استقرار الإنسان في أراضى استغلها للزراعة، ولم يكن بإمكان إنسان ما بين النهرين من أن يقوم بأول ثورة زراعية عرفتها الإنسانية لولا المعرفة والتي اكتسبها من دراسة النجوم وموعد هطول الأمطار ونوع الأرض الأكثر خصوبة وأي المزروعات التي كان بإمكانه أن يزرعها، وفائدة هذه المزروعات له، وكيف شق الترع لإيصال الماء إلى الأراضي، ودجن بعض الحيوانات، وأي من هذه الحيوانات كانت ذات فائدة له.
تعلم أن يستخدم الخيول لتنقلاته، والحمير والثيران لجر أحماله وحرث أرضه، ولنفكر مع هذا الإنسان كيف استخدم الحجر أولا ثم المعادن أخيرا لصنع معدات تساعده على حراثة الأرض، وخزن المياه والغذاء، وصنع معدات توفر له السكن الآمن والسلاح الذي يدافع فيه عن نفسه.
الأرض كانت بداية أنشاء المدن، والكلمة واللغة كانتا أساس الاتصال الإنساني والمعرفي، أساس القوانين والدول والإمبراطوريات، فقد كانت مسلة حمورابي أول قانون آنساني مكتوب، واستخدمت المعرفة لإقامة معجزات إنسانية كالأهرامات وجنائن بابل وآثار حضارات بائدة في بلاد فارس واليونان وروما والهند والصين وأمريكا اللاتينية، ترى كيف استطاع الإنسان القديم على ارض مصر من أن يجسد فكرة الخلود في استخدام علم الكيمياء لحفظ أجسام الفراعنة لآلاف السنين؟
بدأت مأساة الإنسان حينا واجهته الندرة، هنا فكر في قتل أخيه لكي يحصل على الغذاء، وتحولت فكرة الحرب والغزو والصراع إلى أساس معرفي لقبائل وأقوام من اجل الهيمنة والسيطرة، وتحولت الحرب من أداة استخدمها الإنسان للحصول على غذائه إلى وسيلة لتراكم الثروة لدى الأقوى وانتزاعها من الأضعف، فنشأت العبودية واستغلال الإنسان الأقوى لأخيه الأضعف. كانت الدوافع الاقتصادية أولا هي المحرك الرئيسي لنهوض الدول والحضارات ولم يكن بإمكان الدول والحضارات أن تستمر دون الهيمنة على الفضاء الاقتصادي الأقرب جغرافيا ومن هنا شاهدنا الحضارات القديمة تأخذ أبعادها اثر التمدد الجغرافي، حضارات المرحلة الزراعية تنشا الجيوش وتديمها كأداة للحصول على السيطرة والثروة، وتطور قدراتها الاقتصادية والمعرفية من اجل إبقاء السيادة. هنا كان من الطبيعي أن تقوم الحروب بين هذه الحضارات في محاولة لتوسيع مجالها الحيوي، فقامت الحروب بين البابليين والآشوريين وبين الفرس والرومان، وما بين الإغريق والفرس.
العصر الزراعي خلق القيم والثقافة الخاصة به، وجاءت الثورة الصناعية لتحدث انقلابا كبيرا حيث لم تعد القوة تعتمد على عنصر الثروة والقوة العسكرية الكلاسيكية ممثلة بعدد القوات المتقاتلة. لقد أحدثت الثورة الصناعية تغيرات كبيرة، فعلى صعيد الثروة أمكن إنشاء الصناعات التي بدأت بالإنتاج الضخم الذي لا يعتمد على الجهد العضلي الإنساني فحسب بل على أنواع مختلفة من التكنولوجيات التي طورها الإنسان لخدمته، وعلى الصعيد العسكري فأنها أنتجت أسلحة ذات قدرات تدميرية هائلة وتضاعف ما يسمى بمعامل القوة حيث أن أسلحة العصر الزراعي كانت تقضي وجود الجنود والقيادات في مكان محدود وكان المتقاتلون يتواجهون وجها لوجه.
العصر الصناعي جاء ليمكن الإنسان من الانتقال من مكان إلى آخر بزمن متسارع، وشهدنا نموا المعرفة عن طريق الكتاب ثم التلفاز وأخيرا الكومبيوتر، وفي هذا العصر شهدنا نموا للقدرات الاقتصادية والاتصالية والمعرفية والعسكرية للدول الأوربية، مكنها من أن تخوض صراعا فيما بينها، وما بينها وبين الدول النامية، وخرجت بريطانيا من هذا الصراع لتكون إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس. الحرب العالمية الأولى والثانية دفعت الدول الأوربية للدخول في سباق علمي وتكنولوجي لتحقيق الغلبة، وجاءت الحرب العالمية الثانية لتعطي سلاح الطيران الدور المتزايد الأهمية وأطلقت ألمانيا أول الصواريخ التي حققت دمارا كبيرا للندن وضواحيها، في هذه الحرب لم يكن الطيار يرى عدوه ولا أن يقابله وهكذا انتفى الدافع الإنساني في الحرب وتحولت اكثر واكثر إلى لعبة إلكترونية، في هذه الحرب حققت الاتصالات والاستخبارات والمعلومات طفرات وإنجازات هائلة.
في خضم هذه الأحداث كانت أمة في طور الصعود وتحقيق السيادة على المسرح العالمي، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تشهد بداية الثورة المعرفية، خرجت أمريكا رابحا وحيدا بعد الحرب العالمية الثانية، إذ أن بريطانيا وفرنسا خرجتا رابحتين عسكريا إلا انهما أنهكتا اقتصاديا. وكانت نتيجة الحرب أن تحرك العديد من دول العالم الثالث مطالبا بالاستقلال والانفكاك عن الهيمنة البريطانية والفرنسية، واحتاجت الدول الأوربية إلى مساعدة أمريكا من خلال مشروع مارشال لبناء اقتصادها وبنيتها التحتية التي مزقتها الحرب. قادت أمريكا المعسكر الغربي في صراع مرير ضد الاتحاد السوفيتي وأنفقت بشكل كبير على التكنولوجيا والعلوم وأدركت أهمية تحقيق طفرة وثورة في الاتصالات والتكنولوجيا الإلكترونية، فحققت شركاتها العابرة للقوميات طفرات هائلة في تصنيع الكومبيوترات وفي استخدام التقدم في الاتصالات لتحقيق عولمة الإنتاج وقيام التجارة الإلكترونية، كما عملت الولايات المتحدة وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي لاستغلال قدراتها المعرفية والاقتصادية والعسكرية لإعادة تشكيل العالم بشكل يخدم عولمة أمريكية تلبي أهدافها الاستراتيجية في الهيمنة على العالم وهذا ما يناقش الآن من قبل العديد من الاكاديميين داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد بينت أحداث 11 سبتمبر العديد من القضايا التي ستميز المرحلة والمستقبل القادم حيث تابع العالم باجمعة، وفي نفس اللحظة، اصطدام طائرتين في مبنى التجارة العالمي وشاهد انهيار اكبر مبنيين في أمريكا وكذلك الحريق الذي أصاب البنتاغون، لقد اصبح كل ذلك كان ممكنا باستخدام تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، وقامت الولايات المتحدة ومعها بريطانيا بشن حرب معلوماتية ومعرفية هي الثانية في التاريخ الحديث.
لقد بينت هذه الحرب بان الأعلام سلاح من أسلحة الحرب الحديثة ودللت الأحداث بان الولايات المتحدة تهيمن وتحتكر الأعلام والمعلومة ولا ترغب أن تحقق آية جهة إعلامية سبقا إعلاميا أو كسرا لهذه الهيمنة والاحتكار ولنا من الحملة القاسية والمنظمة والتي شنتها بعض القيادات الأمريكية على قناة الجزيرة افضل دليل.
ما هو شكل المستقبل؟ وما هي التغيرات التي ستحدثها الثورة المعرفية في العالم؟ لعل هذا الكتاب محاولة أولية ومتواضعة لوضع صورة استشرافية لمستقبل العالم.
نحن نعيش الآن في عالم تتسارع خطاه وتتلاطم أمواجه، في حركة ظاهرها تصارعا للاضداد، وباطنها نخب عولمية اهدافها واحدة سواء مثلت هذه النخب الشركات متعدية القوميات، خاصة شركات السلاح والبترول والمال، او قيادات الدول المتقدمة التي تمثل هيمنة المركز.
نرى عبر الفضائيات احداثا متناقضة ففي نفس الوقت الذي نرى فيه احتفالا بزواج احد المترفين والذي يكلف ملايين الدولارات، نرى كتل بشرية في افريقيا واسيا تموت جوعا، هذه الانسانية تختلف اولياتها واهتمام افرادها، ففي الوقت الذي نرى اخوة لنا في الانسانية يهاجمون شركات الادوية التي تقوم بتجارب على الحيوانات، فاننا نشهد صمتا كصمت القبور امام المذابح التي تقوم بها قوات الاحتلال الاسرائيلي تجاه الشعب الفلسطيني الاعزل.
نحن نعيش بداية عصر جديد هو عصر المعرفة، والذي اصبحت فيه المعرفة ،ممثلة بالعلم والتكنولوجيا، بمنجزاتهما الكبرى في مجالات عدة كالاتصالات والمواصلات والعلوم البيولوجية والطبية، اداة التقدم والقوة في المجتمعات الحديثة. لقد اصبح الاتصال يجري في الزمن الحقيقي او اللحظي، واصبحنا نرى الاحداث التي تقع بعيدا عنا بالاف الاميال في نفس الوقت الذي تجري فيه، اصبح بامكان الانسان ان يتخطى الحدود والمسافات الطويلة ضمن الزمن اللحظي، كما امكن باستخدام الادوات المعرفية مثل الانترنت والتلفون المحمول ان نتناقش وان نتكلم لغة واحدة مع افراد يختلفون عنا في الثقافة واللون والدين.
الثورة المعرفية مكنت الشركات متعدية القوميات والدول الكبرى من عولمة الانتاج وعولة الاقتصاد، وجعلت من العالم قرية كونية لها بحيث اصبح بالامكان لهذة القوى العولمية نقل الاموال الافتراضية، وبمليارات الدولارات، من مكان الى آخر وبالزمن اللحظي. الكلام عن القرية الكونية بشكل مطلق غير صحيح، انها قرية كونية بالنسبة للدول الكبرى وللشركات متعدية القوميات حيث ان بامكان هذه الشركات والدول ان تنقل الاموال والمعلومات والافراد عبر العالم بمنتهى الحرية، غير ان الامر لا ينطبق على الدول النامية وشعوبها، فهنالك قيودا هائلة ومتزايدة على انتقال وهجرة الافراد، وهنالك قيود بالنسبة لانتقال البضائع من الدول النامية الى اسواق الدول المتقدمة، وهنالك تجسس على افراد وحكومات الدول النامية تقوم بها وكالات متخصصة في الدول المتقدمة، هنالك قيود وضغوط على المعلومات التي تصدر من الادوات الاعلامية والمعلوماتية للدول النامية، ومن هنا فان عولمة الاتصالات والاقتصاد قد خدم بالدرجة الاولى الدول المتقدمة والشركات المتعدية القوميات.
لقد زاد العصر المعرفي من ازمات دول العالم الثالث كما سببت عولمة الانتاج الفقر والمرض والجوع والحروب في الدول النامية، بحيث ان السنوات الماضية، والتي شهدت تقدما هائلا في المجال المعرفي والاتصالات والعولمة، قد شهدت اندلاع حروب اثنية اسفرت في تمزق دول، كما انتجت حروبا صغيرة في كل انحاء العالم، وانشرت الامراض خاصة مرض الايدز في الدول الفقيرة دونما عائق يذكر، اما المجاعات فقد اجتاحت العديد من الدول النامية لتمزق بنيتها الاقتصادية والاجتماعية وكانت النتيجة هجرات هائلة عبر حدودها.
ان انطلاق الدعوات المتفائلة، خاصة من بعض مثقفي العالم الثالث، بان العصر المعرفي والعولمة الاقتصادية ستمكن الدول النامية من تحقيق الرفاهية والتنمية الاقتصادية وستمكن شعوب الدول النامية من نيل حقوقها واقامة الديمقراطية والحفاظ على حقوق الانسان لا تسندها الاحداث والوقائع والاحصائيات، وعلينا نحن شعوب ودول العالم الثالث ان نفهم الثورة المعرفية واتجاهاتها ولمن تخدم لا ان ننبهر بقشورها كما فعلنا من قبل حينما انبهرنا بقيم التحديث الغربية واستوردنا الحداثة لتتحول الى تغريب، ان فهمنا للثورة المعرفية سيمكننا بلا شك من ان نستفيد من هذه الثورة وان نتلافى سلبياتها ولن يحدث هذا دون فهم موضوعي وعلمي لهذه الثورة.
ان هذا الكتاب محاولة اولية لتقديم تعريف جديد للمعرفة ولربط الظواهر المتباعدة ظاهريا، المترابطة واقعيا، وتكوين صورة عن العصر المعرفي خاصة ببعده الاتصالي والمعلوماتي، ودور الدولة التي تقود هذه الموجة، الا وهي الولايات المتحدة الامريكية في فرض نظام الهيمنة الاقتصادية والثقافية على العالم باعتبارها القطب الاوحد الذي له الحق في قيادة العالم، وتبنيها استراتيجية جديدة في الامن القومي يجعل العالم اجمع مجالها الحيوي، وتاثير ذلك على شعوب ودول العالم الثالث. أنه محاولة لربط الصور المتناقضة للخروج بروءية واضحة للدور الاستراتيجي الذي ستلعبه المعرفة في حياتنا كافراد وكامم.
.

No comments:
Post a Comment