بعد ليلة مليئة بالكوابيس قضاها متقلبا في فراشه القاسي ارتدى الملازم مجيد ملابسه ليتوجه الى حيث آمر الموقع سعيد، أدي التحية ووقف جامدا امامه كالتمثال. لحظة دخوله لم يجده جالسا في مقعده بل وجده يتحرك بخطوات ثابتة وقصيرة، طويل القامة، ذو وجه شديد السمرة:- نعم سيدي!تطلع سعيد نحوه، عينان كعيني الصقر تكمنان في وجه صخري الملامح لا يعبر عن شيء، اما شفته العليا فقد اختفت تحت شاربه الكث، عصاه تتحرك في يده بشكل إيقاعي سريع، فجأة تتوقف يده عن الحركة وتنطلق كلماته باردة كجليد الجبال من حولهم
عليك أن تسلم الشهيد صفاء إلى أهله مع الشهداء الآخرين، فأنت الأقرب إلى عائلته.لم يصدق مجيد ما سمعه وبدا له كأنه يسمع صوت الآمر يصدر من أعماق القبور، نظر إلى وجهه المليىء بالبثور:
- ولكن يا سيدي أرجو أن تعفيني من ه..
حرك سعيد عصاه باتجاه مجيد متوعدا، وعلامات الغضب تبدو على محياه، وبلهجة آمرة مرتفعة النبرة ردد قوله:
- لا أريد سماع أي اعتراض ... هذا أمر .... عليك أن تنفذه دون إبطاء!
شعر مجيد بجفاف في فمه وحرقة في امعائه، بدأ يشعر بضربات قلبه تتزايد سرعة وعنفا كأنه يريد انفلاتا من صدره، اتكأ إلى أقرب كرسي وجده قربه، كان يكتم أنفاسه المتسارعة مع دقات قلبه وكأنه انتهى لتوه من سباق عدو المسافات القصيره، لم يبد على وجه الآمر اي تعبير وهو يرى مجيد يتصبب عرقا في فجر ذلك الربيعي فهؤلاء الشهداء لا يعنون له الا أرقاما يمكن تعويضها باخرى وأوسمة تضاف الى صدره. يقترب مجيد من سعيد وبلهجة متوسلة:
- سيدي أرجوك ... بل أتوسل إليك أن تعفيني من هذه المهمة .... كيف سأفعل ذلك؟ صفاء أعز صديق لي ... كيف سأواجه والدته ... زوجته ... ووالده ... ماذا سأقول لهم؟
نظر سعيد إليه نظرة قاسية كانت كافية لتزيده رعبا وارتعاشا، بدأت العصا تتحرك في يده اليمين بشكل متسارع وتضرب يده اليسرى:
- أنت ضابط وتعرف نتيجة عصيان الآوامر وخاصة اثناء الحرب.
توجه مجيد إليه ببطء مبديا استعداده لتقبيل يديه ليعفيه من أداء هذا الواجب، مد الآمر عصاه في حركة اعتراضية تشير لمجيد أن يتوقف:
- هل ستنفذ الأمر؟ أم اعتبرك متمردا على أوامر القيادة؟
توقف مجيد وفكر .... رباه هل أعيش لحظات اللامعقول؟ ... شعر انه سيصاب بالجنون .... ماذا عملت؟ كيف حدث كل هذا؟ البارحة سقط جسد صفاء مخضبا بالدماء لتروي الأرض التي طالما أحبها... فارقت روحه الحياة بسرعة
حرك سعيد عصاه باتجاه مجيد متوعدا، وعلامات الغضب تبدو على محياه، وبلهجة آمرة مرتفعة النبرة ردد قوله:
- لا أريد سماع أي اعتراض ... هذا أمر .... عليك أن تنفذه دون إبطاء!
شعر مجيد بجفاف في فمه وحرقة في امعائه، بدأ يشعر بضربات قلبه تتزايد سرعة وعنفا كأنه يريد انفلاتا من صدره، اتكأ إلى أقرب كرسي وجده قربه، كان يكتم أنفاسه المتسارعة مع دقات قلبه وكأنه انتهى لتوه من سباق عدو المسافات القصيره، لم يبد على وجه الآمر اي تعبير وهو يرى مجيد يتصبب عرقا في فجر ذلك الربيعي فهؤلاء الشهداء لا يعنون له الا أرقاما يمكن تعويضها باخرى وأوسمة تضاف الى صدره. يقترب مجيد من سعيد وبلهجة متوسلة:
- سيدي أرجوك ... بل أتوسل إليك أن تعفيني من هذه المهمة .... كيف سأفعل ذلك؟ صفاء أعز صديق لي ... كيف سأواجه والدته ... زوجته ... ووالده ... ماذا سأقول لهم؟
نظر سعيد إليه نظرة قاسية كانت كافية لتزيده رعبا وارتعاشا، بدأت العصا تتحرك في يده اليمين بشكل متسارع وتضرب يده اليسرى:
- أنت ضابط وتعرف نتيجة عصيان الآوامر وخاصة اثناء الحرب.
توجه مجيد إليه ببطء مبديا استعداده لتقبيل يديه ليعفيه من أداء هذا الواجب، مد الآمر عصاه في حركة اعتراضية تشير لمجيد أن يتوقف:
- هل ستنفذ الأمر؟ أم اعتبرك متمردا على أوامر القيادة؟
توقف مجيد وفكر .... رباه هل أعيش لحظات اللامعقول؟ ... شعر انه سيصاب بالجنون .... ماذا عملت؟ كيف حدث كل هذا؟ البارحة سقط جسد صفاء مخضبا بالدماء لتروي الأرض التي طالما أحبها... فارقت روحه الحياة بسرعة
يمكن الحصول على الكتاب من نيل وفرات وعلى العنوان التالي
http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb150133-111618&search=books
http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb150133-111618&search=books

2 comments:
أحزان شقائق النعمان
الكتاب: أحزان شقائق النعمان (رواية)
الكاتب: سلمان رشيد سلمان
الناشر: بيروت، الدار العربية للعلوم ناشرون ـ 2008
يتوجه الكاتب بهذه الرواية الى الفرد العربي الذي يحيا وسط أجواء ملبّدة من الوجع والمعاناة الدائمين. ويخصّ بالتحديد العراق الذي يشهد حروباً عبثية ومجانية يذهب ضحيتها الأبرياء والقيم الاجتماعية والإنسانية. ويعتبر في هذا المجال أن الحروب التي تفرض بالقوة على المجتمعات البشرية، تفجر براكين في النفس الإنسانية جاعلة إياها تخوض صراعاً داخلياً يبدو أشد وطأة من الصراع الخارجي. ويرى أن الصراع الداخلي يدور بين القيم الاجتماعية والفردية، وبين القيم التي عاش عليها الإنسان، والقيم التي أجبرته الحرب على الانصياع لها.
من الرواية نقتطف النص الآتي: "يقفز مجيد بسرعة ملبياً نداءه، قلبه يتفجر كبركان، يتطلع الى حيث أشار سعيد بعصاه وضربات قلبه تتسارع. كان جسد صديقه يحتضن الأرض التي طالما أحبها وتغنى بجمالها كما لو أنها حبّه الأزلي. تجمّدت الدماء على ملابسه، الطلقات القليلة التي تلقاها كانت كافية لإنهاء حياته. وجد قبضة يده اليسرى مليئة بأزهار شقائق النعمان. أحب الحياة الى الحد الذي جعله يملأ قبضته منها. أما يده اليمنى فقد رمت السلاح وامتدت عبر الفضاء الرحب مشيرة الى اللانهاية بشكل يوحي أنه يريد أن يقول شيئاً لخيال يتمثل أمامه. امتدت يده عبر الفضاء بحثاً عن يد أخرى تعانقها، يد تشاركه بهجة احتضان الكون وعبق الأرض. ربما كان يريد أن يمسك بيد من أحب، إلاّ أن يد المنون كانت أسرع من كل شيء".
المستقبل - الاثنين 21 نيسان 2008 - العدد 2940 - ثقافة و فنون - صفحة 20
سلمان رشيد سلمان ينبش ماضي العراق:
«أحزان شقائق النعمان».. الحروب لا تموت أحياناً
2008-01-20
الدوحة - شبّوب أبوطالب
يعود الدكتور سلمان رشيد سلمان في روايته الجديدة إلى بعض بقايا الذاكرة لينقّب في تلافيف تاريخ عراقي تسرّبت الحرب إلى كل جزئياته، وعشّش الموت في طرقاته وأينع الدم في كل منعطف منه.
أصدر الروائي الدكتور رشيد سلمان رشيد مؤخرا رواية جديدة بعنوان «أحزان شقائق النعمان» عن «الدار العربية للعلوم»، ولعل هذه الرواية قد تصلح مع هامش صغير جدا من الجهد لتكون سيرة ذاتية لأي عراقي عاش أحزان الحرب العراقية - الإيرانية.
يأتي هذا النص تأريخا واقعيا للغاية لمرحلة حاسمة في تاريخ بلد الرافدين، وشهادة جد حيّة عما حصل خلف شعارات الانتصار وقصائد المديح التي كيلت بالتساوي لـ «حامي البوابة الشرقية» و «آية الله روح الله الخميني»، والقصة هي ذاتها في كل بيت عراقي، ولذا فإن سلمان رشيد يغرف من بحر.. بحر الدم المكتوب على جبين بلد قيل إن لديه رافدين، فاتضح أن دمه ثالثهما!
يظهر صفاء كشاب وديعا للغاية، مثقفا متميزا، ورجلا ناضجا للغاية، من أسرة محترمة، فأخوه عقيد في القوة الجوية، وعائلته الصغرى مليئة بالعطف والحنان، وفوق هذا فله أصدقاء جيدون من طراز «مجيد» الشاب الأنيق الذي كان يشاركه معظم قناعاته وأفكاره، ويماشيه على درب الأحلام اليانعة، بينهما فرق بسيط للغاية، فمجيد متزوج وصديقه أعزب، لكن هذا الأمير سيتغير سريعا بدخول فتاة من الشمال العراقي إلى حياته الهانئة، نظرة فابتسامة فسلام، فشعر كردي أسود يطوّح في كل أنحاء الدنيا ويغزل الأيام ربيعا دائما، كلمة هنا وكلمة هنالك وقبلة مخطوفة على عجل في غفلة من الزمن، وخجل كردي يجعل خد العمر كرزا شهيا، لا مشاكل حينما يعلن القلب أفراحه، ولا حدود للأحلام التي تؤثّث المسافة بين موعد وآخر، تكتسب الدقائق معنى آخر وتذوي أوراق اليأس لتحل محلها زهور لا تفيق من عبير إلا لترسل آخر.. باختصار، لا موانع ولا قيود، فحتى أهل البنت الذين يفترض نظريا أنهم ضد زواج ابنتهن بعربي، حتى هؤلاء يعودون عن موقفهم بعد محاولات قليلة، وتكون رحلة زفاف صفاء أشبه بتقليب كتاب تاريخي جغرافي، فالشاب الذي نشأ في العاصمة يكتشف الجزء الثاني من بلده، يطوّف بسفوح الجبال التي أنجبت صلاح الدين واعتصمت برأس قنديل، ويتعرّف إلى حقيقة مفادها أن ليس كل القاطنين خارج امتداد بغداد التاريخية هم مجموعة من المتربصين، فهناك في أرض الخضرة والإباء والدمعة المنتصبة بأعلى أشجار الصنوبر والصمخ ورؤوس «حصاروست» والكرامة التي تطاول قمة «هلكرد» الساحقة العلو.
تدور الأيام، ويبدو أن الزمن -رغم عداوته- فهو يحتفظ بشيء من الرحمة الشفيفة، إذ إن الخدمة العسكرية الإجبارية بما تعنيه من شقاء قد كانت بردا وسلاما على صفاء، إذ لم تفرّقه عن صاحبه مجيد، إذ جُنِّدا في ذات الفرقة، ولكن من يأمن للأيام؟ لقد قيل إن «العسكرية» محك لمعادن الناس، وهذا الذي حصل، فـ «مجيد» الذي كان قلبا وقالبا مع صديقه سوف يأخذ بالتغير عبر التقرب من قائد الكتيبة «سعيد» والتلون بلونه في كل شيء، يحدث هذا فيما يسعى «سعيد» إلى الترفيع بأي طريقة ممكنة ولو باختلاق الأكاذيب وتزييف التقارير المرفوعة للقيادة العسكرية، والغريب أن الضحية هذه المرة كانت «القرية» الصغيرة التي تفنن مواطنوها في خدمة الكتيبة والترفيه عنهم، وفتحوا بيوتهم وقلوبهم للعسكريين، بل وقرر أحد العسكريين الظرفاء الزواج من إحدى بناتها، فيما تعاطف صفاء مع أهلها بلا حدود.. هذه القرية تصبح بنظر «سعيد» بؤرة للتآمر، ورافعة للمجد، ويقرر الرجل أن يطرد أهلها ويسوي بالأرض غاباتها ومزارعها، فيقف صفاء ضده بكل قوة، ما يشكل علامة «تمرد» تدفع «سعيد» لاتهام صاحبنا بالتعاطف مع قرية شمالية لأنه «صهر» للشماليين، ويصل التململ مداه حينما يخير القائد صفاء بين تنفيذ أمر إخلاء القرية ومواجهة تهمة الخيانة محيلا إياه على راحة إجبارية، فيذهب صاحبنا إلى بيته وهناك يقص طرفا من حكايته لأخيه الذي يتحرك باتجاه تحويل مقر تجنيده، وقبل أن ينجح المسعى يعود البطل إلى كتيبته حيث يفاجأ بأن صديقه «مجيد» كان طرفا في مؤامرة إطلاق نار مسرحي من جهة القرية ناحية الكتيبة، والذي ترتب عليه تهجير السكان وتدمير القرية، ينتفض صاحبنا ولكن «مجيد» يعلن خصومته معه، ويشترك للمرة الثانية في مسلسل السكوت حينما يقتل «سعيد» صديقه من غدار خلال معركة حامية مع الإيرانيين، ثم يلوذ بعد ذلك بصمت يتحول سياطا حارة حينما تكتشف عائلة صفاء حقيقة ما حدث ويعود للانتقام لصاحبه من القاتل في ليلة ظلماء يفقد فيها حياته هو أيضا.
لا تصور الرواية حكاية صفاء وحسب، بل حكاية العراق بأسره، البلد المنهك والذي تتحول فيه فكرة الدفاع عن البلد والتضحيات العظام التي قدمت على هذا الإطار، يتحول كل ذلك إلى مجرد مسعى لتكريس عبادة الشخصية وتمجيد المنتصر الأوحد، ويؤسر البلد برمته في قافلة عريضة من الانقلابات الصغيرة التي يبحث صغار المسؤولين والضباط عن ترقية سريعة برفع نسبة ضغط المداهنة والرياء والنفاق المعتق.
ينعدم التكلف في الرواية فكأنها صفحات كتاب الزمن تقلب واحدة إثر أختها، والراوي ينسل لدواخل شخصياته بانسياب شديد ويلبس أقنعتهم بيسر، ويحلل وضع بلده والجنون الذي لفّه في تلك الأيام، والعمى الفظيع الذي صار بحجم الوطن والإقبال اللامتناهي على الموت من طرفي النزاع.. إنها راوية يصلح أن تأخذ لنفسها عنوان «رسائل ميت» أو «البيان الأول للناطق باسم شهداء المعارك العبثية».
Post a Comment