4/4/13

مهمة الروائي


الأخوة / الاخوات 
لقد استلمت نقدا من احد الأخوة والأصدقاء والذي تألم لاني كتبت ضد الحكومة التي قادت العراق منذ ١٩٦٨ وحتى ٢٠٠٣ واني صمت على ممارسات الحكومة منذ احتلال العراق وحتى الآن.
 وهنا اود أن أوضح ما يقوم به الروائي. 
أن الروائي لا يحلل الاوضاع السياسية ولا يحللها ويضع اللوم على تنظيم سياسي معين أو مرحلة سياسية معينة فهذا عدم فهم وجهل كبير بعمل الروائي والذي هو عمل إبداعي يحاول عن يعبر عن هموم الناس وأفراحهم وأحزانهم في مرحلة ما والروائي يحاول أن يعطي الصورة للمجتمع في مرحلة ما ومن خلال ذلك إنما يعبر عن الممارسات للمنظومة الاجتماعية بكل مكوناتها السياسية والبيئية والثقافية.  هذه المنظومة الاجتماعية التي تشرذمت منذ سقوط الملكية  وبدأت تحمل ثقافة الإقصاء للمكونات المجتمعية الأخرى وراحت تنكل بكل خصومها متخذة مختلف الذرائع لتنفيذ مشاريعها في الهيمنة على المجتمع ثقافيا واقتصاديا  وكان لكل مرحلة من مراحل العراق وكل انقلاب منذ 1958 عملها لتجذير هذه الثقافة
 والهيمنة الاقتصادية على ثروات الشعب لمصلحتها الخاصة ومنافعها التجارية وهذا ينطبق على جميع الانقلابات منذ ١٩٥٨ وحتى وقتنا هذا وبدرجات مختلفة 

من هنا يخطئ من يريد أن يفصل المثقف والروائي حسب عقيدته والنظام السياسي الذي يؤيده لان المثقف الذي لا ينتقد النظام بل يؤيده رغم أخطائه هو ليس بمثقف بل مرتزق يعيش من قلمه وينتفع  به ماديا واجتماعيا أما الروائي فهو إنسان يبحث عن الإنسانية وعن المستقبل المتخيل من قبله للإنسان أينما وجد. 


لقد وجدت أن هذه السطور ضرورية لتوضيح دور المثقف والروائي ومن هنا فاني كتبت رواياتي لتعبر عن انتقاد  للمجتمع العراقي منذ عام ١٩٥٨ وحتى الآن.  واعمل الآن على رواية تتحدث عن الوضع الاجتماعي والتشظي الذي أصاب هذا  المجتمع منذ العدوان الأمريكي عام ١٩٩٠  ثم التشظي الذي أصاب العراق منذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣ وحتى الآن وخاصة التشظي الذي أصاب المجتمع سياسيا واجتماعيا ودينيا وبيئيا حيث يعاني الملايين من الأطفال من استخدام اليورانيوم المنضب منذ عام ١٩٩٠ وحتى الآن . التلوث الذي أصاب أطفالنا ومدننا ابتداءا من البصرة وانتهاءا بألفلوجة قد تسبب في أمراض يعاني منها الطفل العراقي خاصة والإنسان العراقي عامة

أننا نحتاج إلى تجذير الوعي بان الحكم على أي نظام في العراق هو بمقدار ما يخدم هذا النظام الإنسان العراقي بمختلف طوائفه وأديانه ومعتقداته.  وان يمنح الوطن استقلاله الحقيقي وان يقيم نظاما عادلا مدنيا يأخذ بالمواطنة المتساوية والقانون الذي يحقق العدالة ما بين المواطن في كل شؤونه


أننا نجرم بحق أوطاننا حينما نريد أن نفصل الوطن والمواطن على المبادئ التي نؤمن بها في حين أن الواجب أن نفصل مبادئنا لتخدم الإنسان العراقي بكل أطيافه

علينا أن نأخذ بمبادئ عظيمة كالتي علمها لنا ديننا حينما عزز الديمقراطية كما في الآيات البينات  ( وجعلناكم شعوبا وقبائل أن أكرمكم عند الله اتقاكم)  ( لمك دينكم ولي دين فلا انتم عابدون ما اعبد ولا انا عابد ما عبدتم )  ( انك لا تهدي الأحبة والله يهدي من يشاء) . 

علينا أن نفكر بقول فولتير حينا قال ( اني أخالفك في كل كلمة تقولها ولكني على استعداد أن اقدم حياتي ثمنا لكي تقولها

أخيرا لا بد لي أن انتهي إلى هنا. ولكم مني السلام والمحبة

3/29/13

http://www.shebeketeldur.us/index.html موقع شبكة العلماء العراقيين

http://www.shebeketeldur.us/index.html موقع شبكة العلماء العراقيين
 الأخوات والأخوة
في الأيام المقبلة ساطلق مبادرة شبكة العلماء العراقيين والتي يمكن الاطلاع عليها من خلال الموقع المبين أعلاه .
كنت قد ذكرت بان هذه الشبكة ستشمل جميع العلماء العراقيين من مختلف الاختصاصات وكان هذا طموح  كنت اسعى الى أن أحققه مستقبلا إذا ما أمد الله بي العمر لأقوم به

ولكني في الوقت الحاضر لن استطيع القيام بذلك لذلك فان هذه الشبكة ستشمل الزميلات  والزملاء العاملين في الجامعات ومراكز الأبحاث داخل وخارج العراق في اختصاصات العلوم الطبيعية كالكيمياء وعلوم الحاسب   الخ ... والعلوم الطبية كالباثولوجي والبكتريولوجي ... الخ والعلوم الهندسية كالهندسة البيئية والمعمارية ... الخ 
الهدف من هذه المحاولة قد تم وضعها في الرؤية والرسالة وفي الكلمة الترحيبية التي أرجو منكم الاطلاع  الاطلاع عليها 

أرجو أن يكون التواصل من خلال بريدي 
srsalman@gmail.com
اني لأرجو من كل باحث وأستاذ أن يرسل لي بضعة اسطر تشمل تخصصه العلمي وعدد بحوثه المنشورة في المجلات العالمية والبريد الإلكتروني الذي يمكن التواصل من خلاله معه. وعدد سنوات الخدمة سواء في الجامعية أو في مراكز البحث داخل وخارج العراق ويشمل هذا الأساتذة الذين في الخدمة والمتقاعدين 

أخيرا تحياتي للجميع وعسى الله أن يوفقنا لما نصبوا اليه من تسجيل تراث علمائنا الأفاضل الذين هم في الوطن وخارجه
وتواصلهم ليتمكنوا من القيام بالبحوث والمشاريع المشتركة 

سلمان رشيد سلمان

11/17/11

رواية وجوه، حكايات الغربة والحنين


عرض دجلة وفرات للرواية
مذ وضعت الحرب أوزارها في العراق، شكّلت وما تزال موضوعاً أثيراً لدى الكثير من الروائيين، فانطلقوا يرصدون تداعياتها وتأثيرها في الإنسان والمكان والزمان، ويتخذون منها عالماً مرجعياً تمنح منه الرواية العراقية، وتتأثر به وتحيل إليه على مستوى الحكاية والخطاب، وإذا الروايات تترى، ولكلٍّ منها حكايتها وخطابها. و"كتاب وجوه" يروي حكايات الغربة والحنين يسردها د. سلمان رشيد سلمان على ألسنة الشخصيات التي ترزح تحت وطأة الواقع لتقول لنا في النهاية إن إرادة الحياة هي الأقوى. يعتبر د. سلمان رشيد سلمان أن الوطن لم يعد ذلك المكان الضيق الذي ولدنا وترعرعنا فيه، ولم يعد الحاكم ذلك الذي يمسك بزمام الأمور على قطعة من الأرض ويتحكم في أفرادها كالقدر الذي لا مناص له. "... لقد عانينا نحن جيل الغربة من الحروب التي اجتاحت وطننا فمزقت مجتمعنا وغيرت قيمنا وجعلتنا نواجه العالم والإخوان والأصدقاء عراة منهكين بلا كرامة ولا مستقبل فوجدنا أن القيم التي آمنا بها والصداقات التي أقمناها عبارة عن أوهام لا تصمد لواقع. أصبح كل منا يبحث عن وطن فلا يجده في دول الجوار أو لدى الإخوان أو الأصدقاء واكتشفنا أن لا بقاء لنا إلا في السعي نحو اكتساب المعرفة والإيمان بأن التغيير فيما حولنا يجب أن لا يدعنا نتقاعس عن فهمه والاستفادة منه من خلال تغيير أنفسنا مهما كان هذا التغيير قاسياً. هذه الرواية تحكي قصة أولادنا الذين وجدوا أنفسهم فجأة في المهجر وفي ظروف قاسية مادياً وعاطفياً ومعنوياً، فحولوا الهزائم والنكسات التي مروا بها إلى إيمان بالمستقبل لهم ولأبنائهم، وها نحن نجدهم يحتلون المواقع الجيدة في مختلف أنحاء العالم، ويساهمون بشكل فعال في بناء الأوطان التي تعتبرهم مواطنين فيها، كما يساهمون في بناء وطنهم الذي أجبروا على الرحيل عنه. هذا الجيل الذي أحسن استخدام منتجات هذه الثورة المعرفية فاستطاع أن يتواصل مع أجزائه التي فرقها الارتحال والهجرة...". وعليه، يكون د. سلمان رشيد سلمان قدم عملاً روائياً أنيقاً بلغته، واقعياً بأحداثه وأمكنته، يحقق متعة مزدوجة ناجمة عن اللغة من جهة، والأحداث من جهة ثانية. أو قل هي متعة الحكاية والخطاب في آن معاً. ويكون "كتاب وجوه.. حكايات الغربة والحنين" زمناً للقراءة والحياة في النص الجميل.

5/22/09

كتاب البعد الاستراتيجي للمعرفة

تاليف الدكتور سلمان رشيد سلمان
الناشر مركز دراسات الخليج - دبي
مقدمة الكتاب
من هنا كانت البداية، من القراءة كانت الرسالة، ومن هنا جاءت الآية الكريمة لتأمر الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) بالقراءة. من هنا أهمية الكلمة منذ فجر الإنسانية، فقد كانت الكلمة التي تنطقها شفاه الإنسان منذ فجر التاريخ أداته للاتصال، وجاءت الكتابة لتنقل الإنسان من مرحلة تاريخية إلى أخرى وتترافق مع استقرار الإنسان في أراضى استغلها للزراعة، ولم يكن بإمكان إنسان ما بين النهرين من أن يقوم بأول ثورة زراعية عرفتها الإنسانية لولا المعرفة والتي اكتسبها من دراسة النجوم وموعد هطول الأمطار ونوع الأرض الأكثر خصوبة وأي المزروعات التي كان بإمكانه أن يزرعها، وفائدة هذه المزروعات له، وكيف شق الترع لإيصال الماء إلى الأراضي، ودجن بعض الحيوانات، وأي من هذه الحيوانات كانت ذات فائدة له.
تعلم أن يستخدم الخيول لتنقلاته، والحمير والثيران لجر أحماله وحرث أرضه، ولنفكر مع هذا الإنسان كيف استخدم الحجر أولا ثم المعادن أخيرا لصنع معدات تساعده على حراثة الأرض، وخزن المياه والغذاء، وصنع معدات توفر له السكن الآمن والسلاح الذي يدافع فيه عن نفسه.
الأرض كانت بداية أنشاء المدن، والكلمة واللغة كانتا أساس الاتصال الإنساني والمعرفي، أساس القوانين والدول والإمبراطوريات، فقد كانت مسلة حمورابي أول قانون آنساني مكتوب، واستخدمت المعرفة لإقامة معجزات إنسانية كالأهرامات وجنائن بابل وآثار حضارات بائدة في بلاد فارس واليونان وروما والهند والصين وأمريكا اللاتينية، ترى كيف استطاع الإنسان القديم على ارض مصر من أن يجسد فكرة الخلود في استخدام علم الكيمياء لحفظ أجسام الفراعنة لآلاف السنين؟
بدأت مأساة الإنسان حينا واجهته الندرة، هنا فكر في قتل أخيه لكي يحصل على الغذاء، وتحولت فكرة الحرب والغزو والصراع إلى أساس معرفي لقبائل وأقوام من اجل الهيمنة والسيطرة، وتحولت الحرب من أداة استخدمها الإنسان للحصول على غذائه إلى وسيلة لتراكم الثروة لدى الأقوى وانتزاعها من الأضعف، فنشأت العبودية واستغلال الإنسان الأقوى لأخيه الأضعف. كانت الدوافع الاقتصادية أولا هي المحرك الرئيسي لنهوض الدول والحضارات ولم يكن بإمكان الدول والحضارات أن تستمر دون الهيمنة على الفضاء الاقتصادي الأقرب جغرافيا ومن هنا شاهدنا الحضارات القديمة تأخذ أبعادها اثر التمدد الجغرافي، حضارات المرحلة الزراعية تنشا الجيوش وتديمها كأداة للحصول على السيطرة والثروة، وتطور قدراتها الاقتصادية والمعرفية من اجل إبقاء السيادة. هنا كان من الطبيعي أن تقوم الحروب بين هذه الحضارات في محاولة لتوسيع مجالها الحيوي، فقامت الحروب بين البابليين والآشوريين وبين الفرس والرومان، وما بين الإغريق والفرس.
العصر الزراعي خلق القيم والثقافة الخاصة به، وجاءت الثورة الصناعية لتحدث انقلابا كبيرا حيث لم تعد القوة تعتمد على عنصر الثروة والقوة العسكرية الكلاسيكية ممثلة بعدد القوات المتقاتلة. لقد أحدثت الثورة الصناعية تغيرات كبيرة، فعلى صعيد الثروة أمكن إنشاء الصناعات التي بدأت بالإنتاج الضخم الذي لا يعتمد على الجهد العضلي الإنساني فحسب بل على أنواع مختلفة من التكنولوجيات التي طورها الإنسان لخدمته، وعلى الصعيد العسكري فأنها أنتجت أسلحة ذات قدرات تدميرية هائلة وتضاعف ما يسمى بمعامل القوة حيث أن أسلحة العصر الزراعي كانت تقضي وجود الجنود والقيادات في مكان محدود وكان المتقاتلون يتواجهون وجها لوجه.
العصر الصناعي جاء ليمكن الإنسان من الانتقال من مكان إلى آخر بزمن متسارع، وشهدنا نموا المعرفة عن طريق الكتاب ثم التلفاز وأخيرا الكومبيوتر، وفي هذا العصر شهدنا نموا للقدرات الاقتصادية والاتصالية والمعرفية والعسكرية للدول الأوربية، مكنها من أن تخوض صراعا فيما بينها، وما بينها وبين الدول النامية، وخرجت بريطانيا من هذا الصراع لتكون إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس. الحرب العالمية الأولى والثانية دفعت الدول الأوربية للدخول في سباق علمي وتكنولوجي لتحقيق الغلبة، وجاءت الحرب العالمية الثانية لتعطي سلاح الطيران الدور المتزايد الأهمية وأطلقت ألمانيا أول الصواريخ التي حققت دمارا كبيرا للندن وضواحيها، في هذه الحرب لم يكن الطيار يرى عدوه ولا أن يقابله وهكذا انتفى الدافع الإنساني في الحرب وتحولت اكثر واكثر إلى لعبة إلكترونية، في هذه الحرب حققت الاتصالات والاستخبارات والمعلومات طفرات وإنجازات هائلة.
في خضم هذه الأحداث كانت أمة في طور الصعود وتحقيق السيادة على المسرح العالمي، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تشهد بداية الثورة المعرفية، خرجت أمريكا رابحا وحيدا بعد الحرب العالمية الثانية، إذ أن بريطانيا وفرنسا خرجتا رابحتين عسكريا إلا انهما أنهكتا اقتصاديا. وكانت نتيجة الحرب أن تحرك العديد من دول العالم الثالث مطالبا بالاستقلال والانفكاك عن الهيمنة البريطانية والفرنسية، واحتاجت الدول الأوربية إلى مساعدة أمريكا من خلال مشروع مارشال لبناء اقتصادها وبنيتها التحتية التي مزقتها الحرب. قادت أمريكا المعسكر الغربي في صراع مرير ضد الاتحاد السوفيتي وأنفقت بشكل كبير على التكنولوجيا والعلوم وأدركت أهمية تحقيق طفرة وثورة في الاتصالات والتكنولوجيا الإلكترونية، فحققت شركاتها العابرة للقوميات طفرات هائلة في تصنيع الكومبيوترات وفي استخدام التقدم في الاتصالات لتحقيق عولمة الإنتاج وقيام التجارة الإلكترونية، كما عملت الولايات المتحدة وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي لاستغلال قدراتها المعرفية والاقتصادية والعسكرية لإعادة تشكيل العالم بشكل يخدم عولمة أمريكية تلبي أهدافها الاستراتيجية في الهيمنة على العالم وهذا ما يناقش الآن من قبل العديد من الاكاديميين داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد بينت أحداث 11 سبتمبر العديد من القضايا التي ستميز المرحلة والمستقبل القادم حيث تابع العالم باجمعة، وفي نفس اللحظة، اصطدام طائرتين في مبنى التجارة العالمي وشاهد انهيار اكبر مبنيين في أمريكا وكذلك الحريق الذي أصاب البنتاغون، لقد اصبح كل ذلك كان ممكنا باستخدام تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، وقامت الولايات المتحدة ومعها بريطانيا بشن حرب معلوماتية ومعرفية هي الثانية في التاريخ الحديث.
لقد بينت هذه الحرب بان الأعلام سلاح من أسلحة الحرب الحديثة ودللت الأحداث بان الولايات المتحدة تهيمن وتحتكر الأعلام والمعلومة ولا ترغب أن تحقق آية جهة إعلامية سبقا إعلاميا أو كسرا لهذه الهيمنة والاحتكار ولنا من الحملة القاسية والمنظمة والتي شنتها بعض القيادات الأمريكية على قناة الجزيرة افضل دليل.
ما هو شكل المستقبل؟ وما هي التغيرات التي ستحدثها الثورة المعرفية في العالم؟ لعل هذا الكتاب محاولة أولية ومتواضعة لوضع صورة استشرافية لمستقبل العالم.
نحن نعيش الآن في عالم تتسارع خطاه وتتلاطم أمواجه، في حركة ظاهرها تصارعا للاضداد، وباطنها نخب عولمية اهدافها واحدة سواء مثلت هذه النخب الشركات متعدية القوميات، خاصة شركات السلاح والبترول والمال، او قيادات الدول المتقدمة التي تمثل هيمنة المركز.
نرى عبر الفضائيات احداثا متناقضة ففي نفس الوقت الذي نرى فيه احتفالا بزواج احد المترفين والذي يكلف ملايين الدولارات، نرى كتل بشرية في افريقيا واسيا تموت جوعا، هذه الانسانية تختلف اولياتها واهتمام افرادها، ففي الوقت الذي نرى اخوة لنا في الانسانية يهاجمون شركات الادوية التي تقوم بتجارب على الحيوانات، فاننا نشهد صمتا كصمت القبور امام المذابح التي تقوم بها قوات الاحتلال الاسرائيلي تجاه الشعب الفلسطيني الاعزل.
نحن نعيش بداية عصر جديد هو عصر المعرفة، والذي اصبحت فيه المعرفة ،ممثلة بالعلم والتكنولوجيا، بمنجزاتهما الكبرى في مجالات عدة كالاتصالات والمواصلات والعلوم البيولوجية والطبية، اداة التقدم والقوة في المجتمعات الحديثة. لقد اصبح الاتصال يجري في الزمن الحقيقي او اللحظي، واصبحنا نرى الاحداث التي تقع بعيدا عنا بالاف الاميال في نفس الوقت الذي تجري فيه، اصبح بامكان الانسان ان يتخطى الحدود والمسافات الطويلة ضمن الزمن اللحظي، كما امكن باستخدام الادوات المعرفية مثل الانترنت والتلفون المحمول ان نتناقش وان نتكلم لغة واحدة مع افراد يختلفون عنا في الثقافة واللون والدين.
الثورة المعرفية مكنت الشركات متعدية القوميات والدول الكبرى من عولمة الانتاج وعولة الاقتصاد، وجعلت من العالم قرية كونية لها بحيث اصبح بالامكان لهذة القوى العولمية نقل الاموال الافتراضية، وبمليارات الدولارات، من مكان الى آخر وبالزمن اللحظي. الكلام عن القرية الكونية بشكل مطلق غير صحيح، انها قرية كونية بالنسبة للدول الكبرى وللشركات متعدية القوميات حيث ان بامكان هذه الشركات والدول ان تنقل الاموال والمعلومات والافراد عبر العالم بمنتهى الحرية، غير ان الامر لا ينطبق على الدول النامية وشعوبها، فهنالك قيودا هائلة ومتزايدة على انتقال وهجرة الافراد، وهنالك قيود بالنسبة لانتقال البضائع من الدول النامية الى اسواق الدول المتقدمة، وهنالك تجسس على افراد وحكومات الدول النامية تقوم بها وكالات متخصصة في الدول المتقدمة، هنالك قيود وضغوط على المعلومات التي تصدر من الادوات الاعلامية والمعلوماتية للدول النامية، ومن هنا فان عولمة الاتصالات والاقتصاد قد خدم بالدرجة الاولى الدول المتقدمة والشركات المتعدية القوميات.
لقد زاد العصر المعرفي من ازمات دول العالم الثالث كما سببت عولمة الانتاج الفقر والمرض والجوع والحروب في الدول النامية، بحيث ان السنوات الماضية، والتي شهدت تقدما هائلا في المجال المعرفي والاتصالات والعولمة، قد شهدت اندلاع حروب اثنية اسفرت في تمزق دول، كما انتجت حروبا صغيرة في كل انحاء العالم، وانشرت الامراض خاصة مرض الايدز في الدول الفقيرة دونما عائق يذكر، اما المجاعات فقد اجتاحت العديد من الدول النامية لتمزق بنيتها الاقتصادية والاجتماعية وكانت النتيجة هجرات هائلة عبر حدودها.
ان انطلاق الدعوات المتفائلة، خاصة من بعض مثقفي العالم الثالث، بان العصر المعرفي والعولمة الاقتصادية ستمكن الدول النامية من تحقيق الرفاهية والتنمية الاقتصادية وستمكن شعوب الدول النامية من نيل حقوقها واقامة الديمقراطية والحفاظ على حقوق الانسان لا تسندها الاحداث والوقائع والاحصائيات، وعلينا نحن شعوب ودول العالم الثالث ان نفهم الثورة المعرفية واتجاهاتها ولمن تخدم لا ان ننبهر بقشورها كما فعلنا من قبل حينما انبهرنا بقيم التحديث الغربية واستوردنا الحداثة لتتحول الى تغريب، ان فهمنا للثورة المعرفية سيمكننا بلا شك من ان نستفيد من هذه الثورة وان نتلافى سلبياتها ولن يحدث هذا دون فهم موضوعي وعلمي لهذه الثورة.
ان هذا الكتاب محاولة اولية لتقديم تعريف جديد للمعرفة ولربط الظواهر المتباعدة ظاهريا، المترابطة واقعيا، وتكوين صورة عن العصر المعرفي خاصة ببعده الاتصالي والمعلوماتي، ودور الدولة التي تقود هذه الموجة، الا وهي الولايات المتحدة الامريكية في فرض نظام الهيمنة الاقتصادية والثقافية على العالم باعتبارها القطب الاوحد الذي له الحق في قيادة العالم، وتبنيها استراتيجية جديدة في الامن القومي يجعل العالم اجمع مجالها الحيوي، وتاثير ذلك على شعوب ودول العالم الثالث. أنه محاولة لربط الصور المتناقضة للخروج بروءية واضحة للدور الاستراتيجي الذي ستلعبه المعرفة في حياتنا كافراد وكامم.
.

2/22/08

احزان شقائق النعمان

بعد ليلة مليئة بالكوابيس قضاها متقلبا في فراشه القاسي ارتدى الملازم مجيد ملابسه ليتوجه الى حيث آمر الموقع سعيد، أدي التحية ووقف جامدا امامه كالتمثال. لحظة دخوله لم يجده جالسا في مقعده بل وجده يتحرك بخطوات ثابتة وقصيرة، طويل القامة، ذو وجه شديد السمرة:- نعم سيدي!
تطلع سعيد نحوه، عينان كعيني الصقر تكمنان في وجه صخري الملامح لا يعبر عن شيء، اما شفته العليا فقد اختفت تحت شاربه الكث، عصاه تتحرك في يده بشكل إيقاعي سريع، فجأة تتوقف يده عن الحركة وتنطلق كلماته باردة كجليد الجبال من حولهم
عليك أن تسلم الشهيد صفاء إلى أهله مع الشهداء الآخرين، فأنت الأقرب إلى عائلته.لم يصدق مجيد ما سمعه وبدا له كأنه يسمع صوت الآمر يصدر من أعماق القبور، نظر إلى وجهه المليىء بالبثور:
- ولكن يا سيدي أرجو أن تعفيني من ه..
حرك سعيد عصاه باتجاه مجيد متوعدا، وعلامات الغضب تبدو على محياه، وبلهجة آمرة مرتفعة النبرة ردد قوله:
- لا أريد سماع أي اعتراض ... هذا أمر .... عليك أن تنفذه دون إبطاء!
شعر مجيد بجفاف في فمه وحرقة في امعائه، بدأ يشعر بضربات قلبه تتزايد سرعة وعنفا كأنه يريد انفلاتا من صدره، اتكأ إلى أقرب كرسي وجده قربه، كان يكتم أنفاسه المتسارعة مع دقات قلبه وكأنه انتهى لتوه من سباق عدو المسافات القصيره، لم يبد على وجه الآمر اي تعبير وهو يرى مجيد يتصبب عرقا في فجر ذلك الربيعي فهؤلاء الشهداء لا يعنون له الا أرقاما يمكن تعويضها باخرى وأوسمة تضاف الى صدره. يقترب مجيد من سعيد وبلهجة متوسلة:
- سيدي أرجوك ... بل أتوسل إليك أن تعفيني من هذه المهمة .... كيف سأفعل ذلك؟ صفاء أعز صديق لي ... كيف سأواجه والدته ... زوجته ... ووالده ... ماذا سأقول لهم؟
نظر سعيد إليه نظرة قاسية كانت كافية لتزيده رعبا وارتعاشا، بدأت العصا تتحرك في يده اليمين بشكل متسارع وتضرب يده اليسرى:
- أنت ضابط وتعرف نتيجة عصيان الآوامر وخاصة اثناء الحرب.
توجه مجيد إليه ببطء مبديا استعداده لتقبيل يديه ليعفيه من أداء هذا الواجب، مد الآمر عصاه في حركة اعتراضية تشير لمجيد أن يتوقف:
- هل ستنفذ الأمر؟ أم اعتبرك متمردا على أوامر القيادة؟
توقف مجيد وفكر .... رباه هل أعيش لحظات اللامعقول؟ ... شعر انه سيصاب بالجنون .... ماذا عملت؟ كيف حدث كل هذا؟ البارحة سقط جسد صفاء مخضبا بالدماء لتروي الأرض التي طالما أحبها... فارقت روحه الحياة بسرعة
يمكن الحصول على الكتاب من نيل وفرات وعلى العنوان التالي
http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb150133-111618&search=books

2/20/07

مجموعة قصص بعنوان اعدام مجهول

لم يجد دواء لهذه الكوابيس رغم أنه طبيب يمارس الطب أكثر من عشرين عاماً. الموت خيم على هذه الأرض لا يريد لها فكاكاً. البارحة استيقظ على أصوات مرعبة تناديه وتطلب منه العون. عشرات بل مئات الجرحى تناثروا هنا وهناك، بعضهم على السرة والآخرون توسدوا الأرض. هو وبضعة جراحين يعملون على إجراء عمليات البتر وإزالة الشظايا. العديد منهم كان مصاباً بحروق. كان الجنود يقولون بأن الأسلحة التي استخدمت ضدهم كانت تخترق كل شيء. لم يقف في طريقها درع المصفحة أو الدبابة. كانت تخترق كل شيء كأنها سكين حامية تشق طريقها درع المصفحة أو الدبابة. كانت تخترق كل شيء كأنها سكين حامية تنشق طريقها في كتلة من الزبد فتذيبه وتحرقه. الآن يعرف بأن قنابل خاصة زودت باليورانيوم لزيادة صلابتها وقدرتها على الاختراق والقتل.
لماذا لا تترك كل شيء ونغادر هذا البلد؟ لقد جاءتك عدة عروض للمغادرة والعمل في أوروبا أو الدول العربية، فلماذا تبقى هنا؟ لقد عملت سنوات عديدة، وخدمت الجميع، والآن علينا أن نغادر، الجميع يغادر هذه السفينة الغارقةيمكن الحصول على هذه المجموعة من موقع نيل وفرات
http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb127474-87603&search=books

2/18/07

نقد رواية شظايا الذاكرة


رواية الدكتور سلمان رشيد "شظايا الذاكرة" سرد على شفا الملحمة...

د. باسم عبود الياسري

غالبا ما ينظر الى الرواية على انها قصة طويلة، بينما للقصة ثوابتها وشروطها مثلما للرواية قوانينها وشروطها الخاصة بها. وهناك الكثير ممن جربوا القصة ثم انتقلوا الى الرواية، ذلك ان كتابة القصة غالباً ما تكون تمهيداً للولوج الى عالم الرواية بغزارته وثرائه، غير ان هذه لسيت قاعدة على الدوام. الدكتور سلمان رشيد رغم تخصصه العلمي الدقيق إلا أنه كثير الشغف بالأدب الذي يجد فيه ضالته في التعبير عن مكنونات النفس وهو ما لا يتحقق في العلم، وقطعاً فهو ليس الاول في هذا المضمار فكثيرا ما سرقت متعة الادب الاطباء والمهندسين والعلماء من عالمهم. للدكتور رشيد عدداً من الكتب العلمية في مجال الفيزياء كذلك له كتباً أخرى في الصراع العربي الفلسطيني حيث كان مديراً لمركز الدراسات الفلسطينية في جامعة بغداد ، وأصدر قبل فترة مجموعته القصصية الاولى " اعدام مجهول " غير ان تلك المجموعة لم تشبع نهمه من الادب بعد، فاتجه الى الرواية وها هو يضع بين ايدينا روايته الاولى " شظايا الذاكرة " في اكثر من 300 صفحة. الرواية صدرت قبل أيام عن الدار العربية للعلوم للطباعة والنشر ووجدت ان من المناسب الكتابة عنها لا باعتبارها عملا ادبيا حسب ولكن كونها عمل توثيقي يؤرخ لمرحلة مهمة من تاريخ العراق وان كان الراحل عبد الرحمن منيف كتب "ارض السواد" مستعينا على تاريخ مدون وآخر شفاهي تمكن من توثيقهما في عمل روائي ناجح بقدرته العالية على انتاج الرواية الذي عرف به منذ "شرق المتوسط " و"الاشجار واغتيال مرزوق". سلمان رشيد يكتب عن تاريخ عاشه بتفاصيله فهو شاهد وشهيد، شاهد على حقيقة امتدت لقرابة اربعين عاما، وهو شهيد وضحية تلك الحقبة التي نسفت كل القيم والمفاهيم الخيرة وافرغت المجتمع العراقي من ذلك الترابط الحميم بين مكوناته. وجد سلمان رشيد نفسه امام كم هائل من الاحداث حاول تدوينها في اسلوب سردي فحقن العمل بالكثير من الاحداث والوقائع التي مر بها العراقيون فتحدث عن العذاب والخوف الذي سكن اهله، في ظل نظام اخذ منهم كل شيء حتى حيواتهم ولم يمنحهم غير الموت والدمار، عن سلطة الحزب الواحد، وعن جواسيس الحزب المدسوسين بين الناس، مصادرة الحريات والقمع والاذلال، الاستهانة بكرامة الناس وحياة البشر، تحدث عن الفقر الذي يعيشه ابناء هذا البلد الغني، عن الحماقات التي ساقوا من خلالها البشر الى محرقة حروب خاضوها مرغمين شرقا وجنوبا وحروبا اخرى لاعداء وهميين، عن طواحين هواء اخترعها النظام واجبر الناس على محاربتها ليتحول ابناء هذا الوطن طعاما لها، عن التهجير الذي تعرضت له عشرات العوائل العراقية بحجج الاصول غير العربية، باسلوب عنصري في وقت تمنح دول العالم جنسياتها لمن يقيم فيها لبضع سنوات، فصادروا اموالهم وعقاراتهم ورموهم على الحدود، عن جهل الشعب العربي بحقيقة ما يجري في العراق وعن الضمائر الرخيصة لبعض الاعلامين التي باعوها بثمن بخس على حساب آلام العراقيين وفجيعتهم. تعتمد الرواية على عدة عناصر لعل اهمها الوصف وهو ما يبرع به الروائي حين يصور لنا ابطاله فيصف ملامحهم وتفاصيل المكان الذي يعيشون فيه ثم ينتقل الى استطرادات وان تشعبت لكنها تغني الشخصية وتثريها، وعن تحولات المكان عبر الزمان. " كم توسعت بغداد منذ الخمسينيات، في عام 1953، حين طغى نهر دجلة وهدد بغداد باجتياحها بالمياه الوافدة بغزارة من الشمال، كانت السدة الترابية تحيط بالمدينة من جهتها الشرقية. جندت الحكومة الشباب وحتى الاطفال للدفاع عن بغداد، يتذكر وهو يحمل مع صديقه مازن اكياس الرمل بايديهم الصغيرة المقرورة والامطار تغسلهم فيرتجفون بردا. يومها شاهد احدى الاسماك الطويلة تقذفها المياه الى خلف السدة، قفز احد الجنود وسحقها بحذائه حتى فارقت الحياة وحينما تطلع الى وجهي صادق ومازن وشاهد علامات الاستنكار لقتله هذه السمكة قال لهما " انها ثعبان النهر وبعضها خطر على الانسان" غير ان هذا الكلام لم يقنع الصديقين خاصة وهما يريانه يقطع الثعبان الى قطع ويرميها في النهر، فكر صادق كثيرا في هذا الحادث وهو في طريق عودته للبيت، لم يستطع ان يفهم لماذا قطع الجندي الحية وهي ميتة ولماذا قتلها وهي عديمة الضرر وكان بامكانه ارجاعها الى الماء. هذا المكان اصبح حيا سكنيا بعد ان آمن سكان بغداد من الفيضان بعد بناء السدود." فهو يغني لبغداد التي احبها، هذا الغناء الذي يقترب من المباشرة احيانا منفلتا من اجواء الرواية: " بغداد، مدينة السلام المدورة، هذه المدينة التي بناها ابو جعفر المنصور ثاني خلفاء الدولة العباسية على نهر دجلة لتتوسط ارض الرافدين ولتكون عاصمة الدولة العباسية وحاضرة مجدها حيث قصدها الشعراء والادباء من مختلف اصقاع العالم. هذه المدينة الجميلة تعرضت الى حقب خبا فيها مجدها وعشعش فيها الجهل والفقر والموت، وزارها عدوان نشرا فيها الخوف والدمار، الفيضان والطاعون. " في الأعمال الروائية نجد الروائي حاضرا في العمل من خلال هذه الشخصيات او من خلال الجو العام للعمل واحيانا يكون العمل اقرب الى سيرة ذاتية عاشها او كان قريبا منها. ابطال " شظايا الذاكرة " يكاد يكون معظمهم من شريحة واحدة فهم اساتذة جامعيون وهم في الغالب يمثلون الجماعة الواعية في المجتمع ومن خلال هذه الشريحة ياخذنا سلمان رشيد الى العراق لندخل معه حقبة مهمة عاشها العراقيون تمثل الثلث الاخير من القرن الماضي مع ما فيها من حروب ودمار وتهجير. تقوم الرواية في الاساس على الخبر الذي يتضمنه الكلام العادي الذي يدور بين الناس، اما الخبر نفسه فهو جزء من هذا الكلام الا انه يكتسب اهمية خاصة عند الآخرين بما يستحق نقله وتناقله، عندما سيتحول هذا الخبر الى نواة لعمل سردي. وهكذا فان حوار الشخصيات وردود افعالها لا تصلنا لانها احداث حدثت بل لانها اخبار تستحق الوصول الينا. ان موضوعة الخبر القابلة لنقلها عبر الكلام انما هي احداث متجددة باستمرار بتجدد الحياة نفسها مع ذلك فهناك افعال للاستمرار يمكن لنا ان نضمنها حوارنا، غير انها لا تمتلك مقومات الخبر الجدير بالذكر من هنا فان مهمة الروائي ان ينتقي بحسه المرهف ما يجده حوارا متجددا قابلا للانتقال واهمال ما لا يراه جديرا بذلك، والا تحولت الرواية الى ركام من الكلام لا جدوى من معظمه. يستفيد الدكتور سلمان رشيد من تقنيات السينما كثيرا في انتقالاته في الزمان والمكان وقطع اللقطات بخبرة مونتير متمرس، ومثل هكذا عمل انما يحتاج الى قاريء خبر الاساليب الروائية وله القدرة على جمع احداث الرواية، هذا اذا علمنا ان رواية طويلة بهذا الحجم لا يمكن قراءتها بجلسة واحدة في عصر سريع الايقاع. من الانتقالات السريعة حين يختلي صادق بزوجته علياء وقد تركا اولادهما عند جدهم، تذكره علياء بالايام الخوالي وكيف كان الحب يتقد بينهما فيرد عليها بانه سيبين لها انه لا يزال يحبها بعد ان تخلص من اولاده:- ليلتنا انس غاب القط العب يا فار.ثم قطع مفاجيء الى زمان ومكان مختلف تماما:- استدعى العميد واللجنة التحقيقية الاصدقاء بشكل منفرد .....هذه الانتقالات فيها من لغة السينما اكثر مما فيها من لغة الرواية. لقد بذل الروائي جهدا كبيرا لتدوين كل ما في ذهنه من مخزون ثقافي واجتماعي وسياسي وصبه في عالم روائي، وحاول ان يقول كل شيء في هذا العمل فتحدث عن الفوارق الطبقية عند لقاء صادق بياسر وان كان الحديث فيه مباشرة بعض الشيء واقترب حديثة احيانا من الدراسة الاجتماعية والتاريخية. ومن العلاقة بين الشعب العربي والكردي من خلال علاقات أسرية بينهما فبدت العلاقة متينة وان السياسين وحدهم هم من يبيعون الاحقاد والكراهية للطرفين. تحدث عن الخوف الذي يستبد بالانسان عندما يكون منظما وجارفا فانه يستقر داخله:" فكر في ان يطلب الكلام ليبوح بما يدور في تلافيف دماغه، وجد ان حالة الرعب الداخلية قد شلت لسانه فبدت افكاره تدور في تلافيف دماغه دون ان يجرؤ على ان ينقلها الى شفاهه، رجل الامن الذي يسكن هذه التلافيف صادر حقه في الكلام حتى قبل ان يحاول ان يرفع يده، فكر بالنتائج على زوجته وعائلته فيما لو تكلم ". ص 56 لقد سيطر النظام على البلد باكمله وعلى المناطق الجميلة في بغداد: " تذكرت القوارب التي كانت تنتشر على صفحة النهر، وتذكرت ليالي الصيف المقمرة والتي كنت وشباب المنطقة نستغلها للتسابق في سباحة المسافات القصيرة ما بين الشاطيء والجزر الرملية التي تظهر بعد هبوط منسوب المياه. كل ذلك انتهى يا صديقي، لم يعد ممكنا ان تجد اي مقهى مقابل القصر الجمهوري واختفت لوبياء الشواطىء والمزارعون، والجزر لم يعد يسمح لاحد من الناس بالاقتراب منها، حتى الصيد منع في هذه المنطقة، فقط قوارب الحراسة تتجول " ص 58 يلجأ الروائي الى اساليب سردية يخترق من خلالها قشرة المجتمع العراقي ليغوص في علاقات افراده لنكتشف من خلال ابطاله هذا الواقع، وهو هنا يوظف شخصية الباحث الاجنبي الدكتور جيمس الذي تسترعي انتباهه احوال المجتمع العراقي فيسأل عما يراه من بؤس وعذاب وضنك عيش، من خلال ذلك ومن خلال ردود زملاء الدكتور يطرح الروائي ما يريد ايصاله الى القاريء في نسيج روائي يقدمه بطريقة حرص على ان تكون صادقة ومعبرة. ويبدو ان زيارة الدكتور جيمس ستشكل أرقا لاساتذة الجامعة بعد اتهامهم بتسريب معلومات الى جهة اجنبية وهكذا يتحول الحوار بين ثقافتين الى جريمة يعاقب عليها القانون في بلد نظام الحزب الواحد، هذا القانون الذي ظهر مثل نبت شيطاني ياتي تعريفه على لسان احدى الشخصيات وكيف يتدخل النظام في حياة الناس. " الماضي يحمل في رحمه الحاضر، القوى التي صنعت الماضي هي التي تتحكم في الحاضر، هذا الحاضر الذي يصنعه هؤلاء سيحدد لنا المستقبل، المشكلة هي ان من يتحكمون الآن في المكان والزمان يسعون لصناعة وتشكيل كل شيء، ابتداء من اطفالنا مرورا بنا، وانتهاء بالدولة، قد خطط له مسبقا، هل تعتقد بان الازمات التي نعانيها الآن، سواء في حصولنا على المواد الاستهلاكية الضرورية، الى ثقافتنا والكتب والمجلات التي نقرؤها، والمواد التي ندرسها لطلابنا، والقوانين التي تسير حياتنا، بعيدة عن عملية تشكيل حياتنا والاجيال القادمة؟." ص 37 لما كان ابطال العمل من اساتذة الجامعة وبعضهم في كلية الآداب فلابد ان ياتي الحوار بمستوى تلك الشخصيات غير ان في الرواية كم كبير من الشعر والغناء مبثوثا في ثنايا العمل بدا بعضه مقحما او زائدا. يقوم بناء الشخصية على وصف الشخصية من الخارج والداخل ومن خلال الحوار نتلمس مشاعر شخصيات العمل التي يتلبسها الخوف ويملأ قلوبها الرعب، هذا الرعب الذي اصبح يعيش مثل فرد في العائلة والعمل والمجنمع من خلال رجال الحزب والمخابرات والمندسين في كل مكان. " يستغل صادق هذه الفترة ليتحدث الى علياء بعيدا عن الآخرين وعن الدار، الذي يعتبره الكثير مصيدة حيث يزرع التنظيم جواسيسه واجهزة التنصت التي استوردها بمبالغ كبيرة من بعض الدول الاوربية لتساعد رجال الامن الساهرين دوما وعيونهم واذانهم في كل مكان، رجال تدربوا في مدارس الامن الاشتراكية ومزودون بافضل تكنولوجيا التجسس في العالم الغربي. العراقيون ياخذون بالمثل الشعبي الشائع " للجدران آذان ": ص 31 ان رواية " شظايا الذاكرة " بهذا الحجم الكبير وبهذه الكثافة من الاحداث التي تناولتها انما تقترب من العمل الملحمي في سردها، ربما يمكن ان تتشكل منها اكثر من رواية اذا ما علمنا انها تناقش امورا كثيرة لكل منها عمقها وتشعباتها. اغلب الظن ان الروائي سلمان رشيد حرص على ان يضمها في كتاب واحد وكأنه اراد ان تكون صرخة قوية لعذاب طال زمنه، انه عمل جدير بالقراءة لفترة اثقلت كاهل العراقيين وشغلت العالم.
يمكن الحصول على الكتاب من نيل وفرات وعلى العنوان التالي
http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb150133-111618&search=books